السيد محمد تقي المدرسي

63

من هدى القرآن

إن المستكبرين يحاولون إفساد الطبيعة والإنسان معا ، فلذلك تراهم يفسدون آراء المستضعفين ويجرونهم نحو التيه والضلالة لكي يستمروا في استغلالهم ، واستهلاك المزيد من إنتاجهم ، بيد أن طائفة من المستضعفين يسارعون إلى الإيمان ، ويقوم الصراع بينهم وبين المستكبرين . [ 76 ] ولذلك تجد المستكبرين يكفرون بالرسالة ليس بمجرد أنها رسالة ، وإنما لأنها مبدأ يؤمن به المستضعفون ويتخذون منه أداة لصراعهم ضدهم ، وهذا يبدو جليا من أقوالهم حيث قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ المستكبرون يريدون دينا يؤيدهم في استغلالهم للناس وتسلطهم عليهم ، ولا يؤمنون بدين يؤمن به المستضعفون ، ويتخذون منه وسيلة لنجاتهم ، وخشبة خلاص لهم من ظلمهم . [ 77 ] ولكي يتحدى المستكبرون دين المستضعفين ، ويجردوهم من تلك الوسيلة التي تنقذهم من أيديهم ، عمدوا إلى الناقة - رمز الرسالة الإلهية عند ثمود - فقتلوها ظنا منهم أن إعدام الناقة يضع حدا لتحرك المؤمنين ، لأنها رمز وحدتهم ، وعنوان نشاطهم الاجتماعي ، ولكنهم أخطأوا حيث أن عقر الناقة وما تبعه من أعمال تخريب وإفساد عرضهم لغضب الله سبحانه وعجل في نهايتهم . فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ومن المعروف أن واحدا منهم فقط هو الذي عقر الناقة ، ولكن البقية رضوا بعمله فكان كما لو أن الجميع اشتركوا في عقرها . وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ حيث تجاوزوا الحد في الفساد برغم أمر الله عز وجل لهم بالإصلاح وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ . العاقبة الحتمية [ 78 ] وكما نهاية ثمود كذلك نهاية كل الطغاة المستكبرين كلما بالغوا في الفساد ، وإنما يفعلون ذلك بعد تنامي حدة الصراع بينهم وبين أصحاب الرسالة إذ أنهم يضطرون آنئذ إلى مقاومة الرسالة بالمزيد من عمليات التخريب والفساد ، وهكذا أنزل الله على ثمود العذاب حيث ارتجت بهم الأرض وتزلزلت من تحتهم ، وتهدمت مدنيتهم ، وماتوا وهم جالسون دون أن يمهلوا حتى يمدوا أرجلهم استعدادا للموت فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ .